الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

407

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ليحرص الناس على كثرة العمل فيها قبل انتهائها . لا جرم أن ليلة القدر التي ابتدئ فيها نزول القرآن قد انقضت قبل أن يشعر بها أحد عدا محمد صلى اللّه عليه وسلم إذ كان قد تحنث فيها ، وأنزل عليه أول القرآن آخرها ، وانقلب إلى أهله في صبيحتها ، فلولا إرادة التعريف بفضل الليالي الموافقة لها في كل السنوات لاقتصر على بيان فضل تلك الليلة الأولى ولما كانت حاجة إلى تنزّل الملائكة فيها ، ولا إلى تعيين منتهاها . وهذا تعليم للمسلمين أن يعظموا أيام فضلهم الديني وأيام نعم اللّه عليهم ، وهو مماثل لما شرع اللّه لموسى من تفضيل بعض أيام السنين التي توافق أياما حصلت فيها نعم عظمى من اللّه على موسى قال تعالى : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [ إبراهيم : 5 ] فينبغي أن تعد ليلة القدر عيد نزول القرآن . وحكمة إخفاء تعيينها إرادة أن يكرر المسلمون حسناتهم في ليال كثيرة توخيا لمصادفة ليلة القدر كما أخفيت ساعة الإجابة يوم الجمعة . هذا محصّل ما أفاده القرآن في فضل ليلة القدر من كل عام ولم يبين أنها أيّة ليلة ، ولا من أي شهر ، وقد قال تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ البقرة : 185 ] فتبين أن ليلة القدر الأولى هي من ليالي شهر رمضان لا محالة ، فبنا أن نتطلب تعيين ليلة القدر الأولى التي ابتدئ إنزال القرآن فيها لنطلب تعيين ما يماثلها من ليالي رمضان في جميع السّنين ، وتعيين صفة المماثلة ، والمماثلة تكون في صفات مختلفة فلا جائز أن تماثلها في اسم يومها نحو الثلاثاء أو الأربعاء ، ولا في الفصل من شتاء أو صيف أو نحو ذلك مما ليس من الأحوال المعتبرة في الدين ، فعلينا أن نتطلب جهة من جهات المماثلة لها في اعتبار الدين وما يرضي اللّه . وقد اختلف في تعيين المماثلة اختلافا كثيرا وأصح ما يعتمد في ذلك : أنها من ليالي شهر رمضان من كل سنة وأنها من ليالي الوتر كما دل عليه الحديث الصحيح : « تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان » . والوتر : أفضل الأعداد عند اللّه كما دل عليه حديث : « إن اللّه وتر يحب الوتر » . وأنّها ليست ليلة معينة مطّردة في كل السنين بل هي متنقلة في الأعوام ، وأنها في رمضان وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم قال ابن رشيد : وهو أصح الأقاويل وأولاها بالصواب . وعلى أنها متنقلة في الأعوام فأكثر أهل العلم على أنها